الشيخ محمد رشيد رضا
303
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العامي المقلد يعظمهم في خياله وشعوره ، أشد مما يعظمهم العارف في فكره وقلبه ، حتى ان الكثيرين أو الأكثرين من المسلمين يكادون يرفعونهم عن مرتبة البشر ، ويكاد تعظيمهم إياهم يشبه العبادة ، ولكن ما بال هؤلاء وأولئك لا يعتبرون بما خاطبهم اللّه تعالى به في مثل هذه الآية ، ولا يتأملون كيف عاتبهم اللّه تعالى هذا العتاب الشديد على ظهم وحسبانهم أنهم يدخلون الجنة وهم لم بقاسوا من البأساء والضراء واحتمال الشدائد في سبيله ما قاسى الذين سبقوهم بالايمان ، حتى استحقوا الجنة ؟ يقول الأستاذ الامام ان الآية عتاب لهم ، وقال غيره من المفسرين انها انكار عليهم ، هذا القول أشد من قوله . فكيف لا ينكر مسلم على نفسه مثل هذا وهو يعلم أنه دون الصحابة الكرام ايمانا واسلاما ودعوة إلى الحق وصبرا على المكاره في سبيله ؟ لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراه من أمثاله الذين يقولون آمنا باللّه ، فإذا أذوي أحدهم في اللّه جعل فتنة الناس كعذاب اللّه ، وآثر ما عند الناس على ما عند اللّه ؟ بل لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراهم لاهم لهم الا زينة هذه الحياة الدنيا والاستكثار من المال ولو من غير حله ، ولانبساط في الأرض ولو بالبغي في الأرض والاعتداء على حقوق الجيران وغيرهم ؟ أم حسبت أن هؤلاء الذين يغشون أنفسهم ويغشون الناس بدعواهم الايمان ، وغرورهم بالانتساب إلى الاسلام ، كانوا بدعا من الناس بجهلهم وأمانيهم ؟ كلا ان هذه كانت حال كل أمة طال عليها الا مد بعد زمن البعتة ، فقست من أفرادها القلوب ، وفسقوا عن أمر ربهم فلم يزنوا ايمانهم ولا اسلامهم بالميزان الذي وضعه اللّه تعالى في كتابه ليميز به الراجح والطائش وبه حكم على أصحاب النبيين وأتباعهم بما قرأت في الآية الكريمة وما ذكرنا في تفسيرها مما في معناها وانما البدع الغريب ، والامر العجيب ، الذي لم يعرف له نظير في أمة من الأمم ، هو ما نراه في هذا العصر من تصدي أناس لدعوى نصر الدين والزعامة فيه وحفظه على أهله ، وهم لم يقرؤا كتابه ، ولو قرأوه لما فهموه ، ولم يتلقوا سنته ولو سمعوها لما وعوها ، ولم ينظروا في عقائده ولو نظروا فيها لما عقلوها ، ولم يعرفوا معظم أحكامه وما يعرفونه منها لا يعلمون به ،